1 -أنها بدأت من أوائل الوحي فِي سورة القلم ، لفتة إلى سر الحرف ، ثم كثرت وتتابعت فِي أواسط العهد المكي - من سورة ق وترتيب نزولها الرابعة والثلاثون إلى سورة القصص وترتيب نزولها التاسعة والأربعون - حين بلغ الجدل فِي القرآن أشده ، فعُرِضَتْ قضية التحدي ، وظلت آيات القرآن تعاجزهم وتتحداهم أن يأتوا بمثله أو بسورة منه ، إلى أول العهد المدني الذي نزلت فيه آية البقرة فحسمت الجدل العقيم ، بعد أن لزمتهم الحجة على صدق المعجزة ، بعجزهم مجتمعين أن يأتوا بسورة من مثله.
2 -ما من سورة بُدئت بالحروف المقطعة ، إلا كان فيها احتجاج للقرآن وتقرير نزوله من عند الله ، ودحض لدعاوى من جادلوا فيه. مع التنظير لموقف المجادلين فيه ، بموقف أمم قبلهم كذبوا بآيات الله واستهزئوا برسله تعالى فحق عليهم العقاب.
3 -أكثر السور المبدوءة بالفواتح ، نزلت فِي المرحلة التي بلغ فيها عتو المشركين أقصى المدى ، وأفحشوا فِي حمل الوحي على الافتراء والسحر والكهانة ، فواجههم القرآن بالتحدي. وعاجزهم مجتمعين ، ومن ظاهرهم من الجن ، أن يأتوا بسورة من مثله مفتراة ، أو فليأتوا بعشر سور ، أو بحديث مثله ، ما داموا يزعمون أن محمداً افتراه وتقوله.
وأفحموا ، عجزوا جميعاً عن أن يأتوا بسورة من مثله ، وإنه لكتاب عربي مبين: ألفاظه من لغتهم ، وحروفه هي حروف معجمهم ، تلك الحروف التي تقرأ مقطعة مفردة أو مركبة ، فلا تعطي دلالة ما ، لكنها حين تأخذ مكانها فِي القرآن يتجلى سرها البياني المعجز.
هكذا وقفتُ أمام فواتح السور ، فكانت اللمحة المضيئة لسر الحرف. وما أعجب سره:
ما أعجب أن تتحق آيات الإنسان الناطق ، بحروف من مثل: ا ، ح ، ر ، س ، ص ، ط ، ع ، ق ، ك ، ل ، م ، ن ، هـ ، ى!
حروف صماء ، قد تتألف منها أصوات عجماء لا تُبين ولا تنطق.