ومنها تصاغ الكلمات فيحقق بها الإنسان آية نطقه وبيانه ، ويحقق آية القراءة والعلم ، متميزاً عن الحيوان الأعجم ، ومرتقياً بإنسانيته إلى درجتها العليا فِي الكائنات ، ومحتملاً بها أمانة التكليف ومسئولية الخلافة فِي الأرض.
وبها نزلت آيات المعجزة البيانية ، فتجلى سر الكلمة فِي البيان الأعلى الذي أعيا العربَ أن يأتوا بسورة من مثله ، والحروف التي يتألف منها مبذولة لهم فِي لغتهم التي نزل بها القرآن كتاباً عربياً مبيناً.
وانطلاقاً من هذا الملحظ لسر الحرف ، أقدم هنا لقضية الإعجاز البياني ، بعض الشزاهد من حروف قرآنية ، حاول اللغويون والبلاغيون فِي تأويلها أن يعدلوا بها على وجه التقدير ، عن الوجه الذي جاءت به ، لكي تلبي مقتضيات الصنعة الإعرابية وتخضع لقواعد المنطق البلاغي المدرسي ، فبقيت هذه الحروف تتحدى كل محاولة بتغيير أو تقدير لحذف أو زيادة.
منها مثلاً حرف الباء ، فِي مثل أية القلم:
{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} .
جرى النحاة والمفسرون على القول بأن هذه الباء زائدة فِي خبر ما ، كما تأتي زائدة فِي خبر ليس. فهي تعمل فِي لفظ الخبر ، ويبقى الحكم الإعرابي على أصله منصوباً بفتحة مقدرة على أخر الخبر ، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
لا يعنون بلفظ الزيادة أنها تأتي عبثاً أو لغواً ، وإنما هي زائدة عندهم للتأكيد. وقد جاء"ابن هشام"بهذه الباء الزائدة فِي الخبر ، مع خمسة مواضع أخرى لزيادة الباء ، وأدرجها جميعاً تحت حكم عام هو: معنى التأكيد المستفاد من الباء الزائدة.
ومع تنبههم إلى أن من هذه المواضع ما تكون الزيادة فيه واجبة وغالبة وضرورة ، جرت الصنعة الإعرابية على قصر عملها على اللفظ دون المعنى.
وباستقراء ما فِي القرآن من خبر"ما ، وليس"تلقانا كثيرا ، ظاهرة مجيء هذه الباء المقول بزيادتها ، فِي خبرهما المفرد الصريح غير المؤول.