والثاني: قال ذلك الذي لعنه، وإلا لا يجوز أن يكون اللَّه يأمره بما ذكر أن يخرج الأمر بما ذكر مخرج سفه والأمر بالفحشاء، وقد أخبر أنه: لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وإنما يأمر بالعدل؛ كقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) ، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) ؛ فلو حمل هذا على الأمر لكان أمرًا بالفحشاء والمنكر فدل أنه يخرج على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما، أو على الاستبعاد والإياس عن أن يملك أو يقدر عليهم بما ذكر إلا من اختار منهم اتباعه، وهو ما ذكر: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ...) الآية. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاسْتَفْزِزْ) : قَالَ الْقُتَبِيُّ، أي: استخف، والرجل: الرجالة.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (وَاسْتَفْزِزْ) ، أي: استخف، أي: دعاه فأجابه وأمره فأطاعه؛ وعلى هذا يخرج قوله: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ) ، أي: أمرهم فأطاعوه، أو دعاهم فأجابوه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بِصَوْتِكَ) .
يحتمل وجوهًا ثلاثة:
أحدها: على حقيقة الصوت، يكون له صوت يدعو الناس به، فيسمع ذلك الصوت النفس الخفية التي تكون في هذه النفس الظاهرة الكثيفة، ولا تسمعه النفس الظاهرة، على ما يخطر أشياء بالقلب من غير أن يعلم به الإنسان أنه من أين جاء؟ ومن أين هيجانه؟ وعلى ما يقذف ويوسوس أشياء في القلوب من غير أن يعلم ذلك ويطلع عليه؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون له صوت يدعو الناس به، وإن كنا لا نسمعه؛ لكنه يسمع النفس الخفية بما يسمع النفس الظاهرة، وبها نبصر - أعني: بالنفس الخفية - ألا ترى أن النائم يرى أشياء ويكون في أقصى الدنيا، ونفسه الظاهرة ملقاة هاهنا؛ فذلك كله بالنفس الخفية.