يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ تَمَادِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي غِيِّهِمْ وَارْتِدَادِهِمْ عُتُوًّا عَلَى رَبِّهِمْ بِتَخْوِيفِهِ إِيَّاهُمْ تَحْقِيقَهُمْ قَوْلَ عَدُوِّهِمْ وَعَدُوِّ وَالِدِهِمْ، حِينَ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِالسُّجُودِ لَهُ فَعَصَاهُ وَأَبَى السُّجُودَ لَهُ، حَسَدًا وَاسْتِكْبَارًا {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} وَكَيْفَ صَدَّقُوا ظَنَّهُ فِيهِمْ، وَخَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ وَطَاعَتِهِ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ عَدُوِّهِمْ وَعَدُوِّ وَالِدِهِمْ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ} وَاذْكُرْ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ {اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} فَإِنَّهُ اسْتَكْبَرَ وَقَالَ {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}
يَقُولُ: لِمَنْ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، فَلَمَّا حُذِفَتْ «مِنْ» تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ {خَلَقْتَ} فَنُصِبَ، يَفْتَخِرُ عَلَيْهِ الْجَاهِلُ بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ طِينٍ.
وَقَوْلُهُ: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، فَأَمَرَتْنِي بِالسُّجُودِ لَهُ، وَيَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ} أَقْسَمَ عَدُوُّ اللَّهِ، فَقَالَ لِرَبِّهِ: لَئِنْ أَخَّرْتَ إِهْلَاكِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا}
يَقُولُ: لَأَسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ، وَلَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ، وَلَأَسْتَمِيلَنَّهُمْ. يُقَالُ مِنْهُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ مَالٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الرجز]
نَشْكُو إِلَيْكَ سَنَةً قَدْ أَجْحَفَتْ
جَهْدًا إِلَى جَهْدٍ بِنَا فَأَضْعَفَتْ
وَاحْتَنَكَتْ أَمْوَالَنَا وَجَلَّفَتْ
وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَالِاحْتِوَاءَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَضَلَّهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) }