وَهَذَا حَضٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ إِلَيْهِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ سَيَمْنَعُهُ مِنْ كُلِّ مَنْ بَغَاهُ سُوءًا وَهَلَاكًا، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ قُدْرَةً، فَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَشِيئَتِهِ، وَنَحْنُ مَانِعُوكَ مِنْهُمْ، فَلَا تَتَهَيَّبْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَامْضِ لِمَا أَمَرْنَاكَ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَتِنَا.
عَنِ الْحَسَنِ {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} قَالَ: يَقُولُ: أَحَطْتُ لَكَ بِالْعَرَبِ أَنْ لَا يَقْتُلُوكَ، فَعَرَفَ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ.
وَقَوْلُهُ: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رُؤْيَا عَيْنٍ، وَهِيَ مَا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا أُسْرِيَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَلَيْسَتْ بِرُؤْيَا مَنَامٍ.
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أُسْرِيَ بِهِ عِشَاءً إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّى فِيهِ، وَأَرَاهُ اللَّهُ مَا أَرَاهُ مِنَ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَصْبَحَ بِمَكَّةَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ مَا شَأْنُكَ، أَمْسَيْتَ فِيهِ، ثُمَّ أَصْبَحْتَ فِينَا تُخْبِرُنَا أَنَّكَ أَتَيْتَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَعَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى ارْتَدَّ بَعْضُهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ رُؤْيَاهُ الَّتِي رَأَى أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: يُقَالُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فَعَجَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّيْرَ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ الْأَجَلِ، فَرَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَتْ أُنَاسٌ: قَدْ رُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ كَانَ حَدَّثَنَا أَنَّهُ سَيَدْخُلُهَا، فَكَانَتْ رَجَعْتُهُ فِتْنَتَهُمْ.