قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَأْتِ قَرْيَةً بِآيَةٍ فَيُكَذِّبُوا بِهَا إِلَّا عُذِّبُوا، فَلَوْ جَعَلْتُ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا.
وَ «أَنْ» الْأُولَى الَّتِي مَعَ مَنَعَنَا، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ مَنَعَنَا عَلَيْهَا، وَأَنِ الثَّانِيَةُ رَفْعٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا مَنَعَنَا إِرْسَالُ الْآيَاتِ إِلَّا تَكْذِيبُ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْأُمَمِ، فَالْفِعْلُ لِأَنِ الثَّانِيَةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَدْ سَأَلَ الْآيَاتِ يَا مُحَمَّدُ مَنْ قَبْلَ قَوْمِكَ ثَمُودُ فَآتَيْنَاهَا مَا سَأَلَتْ، وَحَمَلْنَا تِلْكَ الْآيَةَ نَاقَةً مُبْصِرَةً. جَعَلَ الْإِبْصَارَ لِلنَّاقَةِ، كَمَا تَقُولُ لِلشَّجَّةِ: مُوضِحَةٌ، وَهَذِهِ حُجَّةٌ مُبَيِّنَةٌ.
وَإِنَّمَا عَنَى بِالْمُبْصِرَةِ: الْمُضِيئَةِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي مَنْ يَرَاهَا كَانُوا أَهْلَ بَصَرٍ بِهَا، أَنَّهَا لِلَّهِ حُجَّةٌ، كَمَا قِيلَ: {وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} كَمَا:
وَقَوْلُهُ: {فَظَلَمُوا بِهَا}
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: فَكَانَ بِهَا ظُلْمُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهَا وَعَقَرُوهَا، فَكَانَ ظُلْمُهُمْ بِعَقرِهَا وَقَتْلِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَكَفَرُوا بِهَا، وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُ أَرَادَ: فَكَفَرُوا بِاللَّهِ بِقَتْلِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَمَا نُرْسِلُ بِالْعِبَرِ وَالذِّكْرِ إِلَّا تَخْوِيفًا لِلْعِبَاد
عَنْ قَتَادَةَ:"وَإِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ النَّاسَ بِمَا شَاءَ مِنْ آيَةٍ لَعَلَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ، أَوْ يَذْكُرُونَ، أَوْ يَرْجِعُونَ."
ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْكُوفَةَ رَجَفَتْ عَلَى عَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَاعْتِبُوهُ""
عَنِ {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} قَالَ: الْمَوْتُ الذَّرِيعُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) }