وتقدم عند قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} في سورة [آل عمران: 196] ، وقوله: {زخرف القول غرورا} في سورة [الأنعام: 112] .
والمعنى: أن ما سوله لهم الشيطان في حصول المرغوب إما باطل لا يقع ، مثل ما يسوله للناس من العقائد الفاسدة وكونه غروراً لأنه إظهار لما يقع في صورة الواقع فهو تلبيس ؛ وإما حاصل لكنه مكروه غير محمود بالعاقبة ، مثل ما يسوله للناس من قضاء دواعي الغضب والشهوة ومحبة العاجل دون تفكير في الآجل ، وكل ذلك لا يخلو عن مقارنة الأمر المكروه أو كونه آيلاً إليه بالإضرار.
وقد بسط هذا الغزالي في كتاب الغرور من كتاب إحياء علوم الدين.
وإظهار اسم الشيطان في قوله: وما يعدهم الشيطان دون أن يؤتى بضميره المستتر لأن هذا الاعتراض جملة مستقلة فلو كان فيها ضمير عائد إلى ما في جملةٍ أخرى لكان في النثر شبه عيب التضمين في الشعر ، ولأن هذه الجملة جارية مجرى المثل فلا يحسن اشتمالها على ضمير ليس من أجزائها.
{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) }
وجملة {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} من تمام الكلام المحكي بـ {قال اذهب} [الإسراء: 63] .
وهي جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عن قوله: {فمن تبعك منهم} [الإسراء: 63] وقوله: {واستفزز من استطعت منهم} [الإسراء: 64] ، فإن مفهوم {من تبعك} و {من استطعت} [الإسراء: 64] ذريّة من قبيل مفهوم الصفة فيفيد أن فريقاً من درية آدم لا يتبع إبليس فلا يحتنكه.
وهذا المفهوم يفيد أن الله قد عصم أو حفظ هذا الفريق من الشيطان ، وذلك يثير سؤالاً في خاطر إبليس ليعلم الحائل بينه وبين ذلك الفريق بعد أن علم في نفسه علماً إجمالياً أن فريقاً لا يحتنكه لقوله: {لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} [الإسراء: 62] .
فوقعت الإشارة إلى تعيين هذا الفريق بالوصف وبالسبب.