وحاصله أن حذقهم كان في دنياهم وما لا يجدي، وهذا حال أكثر الناس كما قال الله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) } [سورة الروم: 6 - 8] .
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة الروم: 7: يعني: معايشهم؛ متى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون.
وفي رواية: يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقال الحسن رحمه الله تعالى: ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن يصلي. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
وكل ذلك من ثمرات البطر.
قال أبو إسحاق الزجاج: والبطر: الطغيان بالنعمة.
وهذا يرجع إلى كفران النعمة، أو هو أعظم أنواع الكفران،
والكفران أشد أسباب زوال النعم، وهو بلاء سائر الأمم الهالكة كما قال الله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) } [سورة القصص: 58] .
قلت: وفي الآية دليل على أن القوم وأهل القرية إذا بطروا المعيشة تهدَّموا وانفكَّ أمرهم، فلا يعودون إلى ما كانوا عليه، وقلما خربت قرية من القرى ورحل أهلها بسبب البطر فعادت إلى ما كانت عليه من العمارة - وإن رجعوا إليها - وهذا أمر مشاهد.
* تنبِيْهٌ:
في قول صالح عليه السلام: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) } [سورة الشعراء: 146] إشارةٌ إلى أن الموت لا يترك أحداً؛ أي: أتتركون أنتم في الدنيا ولم يترك فيها قبلكم أحد، وهذا مما لا يكون.