لأنَّ المقصود بالآيات المذْكورة في هذه الآية هو: آياتٌ محدَّدة طلبها الكفَّار وجعلوها شرطًا لإيمانهم، وجرَت سُنَّة الله وحُكمه أنَّ الكفَّار إذا طلبوا آياتٍ محدَّدةً واستجاب الله لطلَبهم ثمَّ كفروا رغم ذلك، أن يُنزل اللهُ بهم العذاب، فلم يُرسل اللهُ هذه الآيات التي طلبها كفَّار مكَّة لعلمه أنهم سيكذّبون بها، وبذلك سيحقُّ عليهم العذاب.
فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: (سأل أهلُ مكَّة النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يجعل لهم الصَّفا ذهبًا، وأن ينحِّي الجبال عنهم فيزدرعوا) (أي: يزرعوا) .
(فقيل له: إنْ شئتَ أن تستأني بهم(أي: تمهلهم) ، وإنْ شئتَ أن تُؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا أُهلِكوا كما أهلكتْ مَن قبلهم، قال: (( لا، بل أستأني بهم ) )، فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية:"وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً" [28] .
فالآية لا تنفي وجودَ معجزاتٍ وآياتٍ دالَّةٍ على نبوَّة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكن الآية تذكُر آياتٍ معيَّنةً طلبها الكفَّار فلم يستجب الله لهم رأفةً بهم.
فمعنى الآية كما قال القرطبي، ونقَلَهُ عن قتادة، وابن جريج، وغيرهما: (وما منعَنا أن نرْسِل بالآيات الَّتي اقترحوها إلَّا أن يكذِّبوا بها فيُهلكوا كما فُعل بمن كان قبلهم ... فأخَّر الله تعالى العذاب عن كفَّار قريش؛ لِعِلمه أنَّ فيهم مَن يؤمن، وفيهم مَن يولد مؤمنًا) [29] .
نسأل الله أن يرزُقَنا اتّباع سُنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وأن يحشرنا في زُمْرته، وأن يسقِيَنا مِن يده الشَّريفة شربة هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا.
اللهُمَّ اجْزِهِ عنَّا خيرَ ما جزيت نبيًّا عن أمَّته، ورسولًا عن قومه، وآتِه الوسيلة والفضيلة، وابعثْه مقامًا محمودًا الَّذي وعدته.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبدِه ورسوله محمَّد خير الأنام، وعلى آله وأزْواجه وأصحابه ومَن تبِعَهم بإحسان. انتهى انتهى {قهر عباد الصليب بذكر معجزات الحبيب، للأستاذ/ إيهاب كمال أحمد} ...
الهوامش:
[1] وربَّما تُسَمَّى آياتٍ أو دلائلَ نُبُوَّةٍ، على اعتبار أنَّ المعجزة يُقصد بها التحدِّي وإظهار عجْز الكفار.
[2] البداية والنهاية (6/ 82) .
[3] البخاري (4486) ، ومسلم (5010) .
[4] الترمذي (3211) وصحَّحه الألباني في صحيح الترمذي (3289) .
[5] دلائل النبوة للبيهقي (2/ 276) ، وانظر: البداية والنهاية (6/ 84) .
[6] البداية والنهاية (6/ 85) .
[7] البخاري (3314) .
[8] البخاري (3307) .
[9] البخاري (3314) .
[10] أي: تبكي مثل الطفل الصغير.
[11] البخاري (1953) .
[12] المخشوش: أي الذي وضع في أنفه عودٌ لِيكُونَ سَهْل الانقياد والخضوع.
[13] مسلم (5328) .
[14] أخرجه البزار والطبراني في الأوسط، وصحَّحه الألباني في"ظلال الجنَّة" (1146) .
[15] البخاري (2933) ، وأبو داود (3912) .
[16] البخاري (4450) ، ومسلم (5006) .
[17] البخاري (881) ، ومسلم (1490) .
[18] البخاري (3793) ، ومسلم (3800) .
[19] البخاري (6585) ، ومسلم (5164) .
[20] أي: كتاب"ذيل الروضتين"لأبي شامة، وهو مِن العُلَماء الذين عاصروا هذه الواقعة التاريخية.
[21] البداية والنهاية (13/ 219) .
[22] تاريخ الإسلام (10/ 418) .
[23] البخاري (3425) .
[24] سيرة ابن هشام (2/ 82) ، وابن سعد (1/ 188) ، وسير أعلام النبلاء (2/ 332) ، والبداية والنهاية (6/ 326) .
[25] أخرجه أحمد (8595) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وسنده صحيح، قال الهيثمي في"المجمع": رواه أحمد ورجاله رجال الصَّحيح، وصحَّح العجلوني سنده في"كشف الخفا"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2349) .
[26] أحمد (6447) وسنده صحيح، قال الهيثمي: إسناده جيِّد، وصحَّحه الألباني في صحيح الترهيب والترغيب (2650) .
[27] من ذلك كتاب"الشمائل المحمدية"للترمذي، و"شمائل الرسول"للحافظ ابن كثير.
[28] أحمد (2217) وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية (ص 152) .
[29] تفسير القرطبي (10/ 281) .