وسبق أنْ أوضحنا الفرق بين عبيد وعباد ، وأنهما جَمْع عبد ، لكن عبيد تدل على مَنْ خضع لسيّده في الأمور القهرية ، وتمرَّد عليه في الأمور الاختيارية ، أما عباد فتدلّ على مَنْ خضع لسيده في كُلِّ أموره القهرية والاختيارية ، وفضَّل مراد الله على مُرَاده ، وعنهم قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} [الفرقان: 63 - 64]
وهذا الفَرْق قائم بينهما في الدنيا دون الآخرة ، حيث في الآخرة تنحلّ صفة الاختيار التي بنينا عليها التفرقة ، وبذلك يتساوى الجميع في الآخرة ، فكلهم عبيد وعباد ؛ لذلك قال تعالى في الآخرة للشيطان: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان: 17]
فسمَّاهم عباداً رغم ضلالهم وكفرهم.
وقوله تعالى: {يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53]
أي: العبارة التي هي أحسن ، وكذلك الفِعْل الذي هو أحسن. والمعنى: قُلْ لعبادي: قولوا التي هي أحسن يقولوا التي هي أحسن ؛ لأنهم مُؤتمرون بأمك مُصدِّقون لكَ.
و {الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تعني: الأحسن الأعلى الذي تتشقَّق منه كُل أَحْسَنيات الحياة ، والأحسن هو الإيمان بالله بشهادة أن لا إله إلا الله ، هذه أحسن الأشياء وأولها ، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول:"خَيْرُ ما قُلْتُه أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله".
لأن من باطنها ينبتُ كل حسن ، فهي الأحسن والكبيرة ؛ لأنك ما دُمْتَ تؤمن بالله فلن تتلقّى إلا عنه ، ولن تخاف إلا منه ، ولن ترجوَ إلا هو ، وهكذا يحسُن أمرك كلُّه في الدنيا والآخرة.