دخل عليهم الإمام علي وهم مختلفون في هذه المسألة ، منهم من يقول: الحديد أقوى. ومنهم من يقول: بل الحجارة. وآخر يقول: بل الماء ، فأفتاهم الإمام في هذه القضية ، وانظر إلى دِقّة الإفتاء واستيعاب العلم ، فلم يَقُل: أقوى جنود الله كذا وكذا ثم يكمل كما اتفق له ويذكر ما يخطر بباله ، لا بل حصرها أولاً ، فقال: أشد جنود الله عشرة.
فالمسألة ليست ارتجالية ، بل مسألة مدروسة لديه مُسْتَحضرة في ذِهْنه ، مُرتَّبة في تفكيره ، فبسط الإمام لمستمعيه يده وفَردَ أصابعه ، وأخذ يعدّ هذه العشرة ، وكأنه المعلم الذي استحضر درسه وأعدَّه جيداً.
قال:"أشد جنود الله عشرة ، الجبال الرواسي ، والحديد يقطع الجبال ، والنار تذيب الحديد ، والماء يطفئ النار ، والسحاب المسخّر بين السماء والأرض يحمل الماء ، والريح يقطع السحاب ، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو بالشيء ويمضي لحاجته ، والسكر يغلب ابن آدم ، والنوم يغلب السكر ، والهم يغلب النوم ، فأشد جنود الله في الكون الهم".
فهذه الأجناس هي المراد بقوله تعالى: {أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ..} [الإسراء: 51] فاختاروا أيّاً من هذه الأجناس ، فالله تعالى قادر على إعادتكم وبعثتكم كما كنتم أحياء.
ثم يقول تعالى: فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.. { [الإسراء: 51]
أي: أن الذي خلقكم بدايةً قادرٌ على إعادتكم ، بل الإعادة أَهْوَن من الخَلْق بدايةً ، ولكن الجواب لا يكون مُقنِعاً إلا إذا كانت النتيجة التي يأتي بها الجواب مُسلّمة. فهل هم مقتنعون بأن الله تعالى فطرهم أوّل مرة؟