ومن قال إنه تأويل (قرآن الفجر) بصلاته خلاف ظاهر الآية ولا يجوز الصرف عن الظاهر إلا بدليل ، فيقال له إن الدليل موجود وهو قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ) وقرآن الفجر معطوف عليها ولم يشتهر أقم القراءة بل أقم الصلاة.
مطلب في التهجد والمقام المحمود وما نسب لإبراهيم وصلاة التراويح:
وما احتج به من ضمير (به) في قوله عز قوله"وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ"يجوز رجوعه إلى القرآن بمعناه الحقيقي استخداما وهو أكثر من أن يحصى ، ويجوز رجوعه إلى الصلاة أيضا المعبر عنها بالقرآن ، لأنها ركن من أركانها كما عبر عنها بالركوع والسجود ، وعود الضمير من (به) إلى الصلاة أولى لأن التهجد هو الصلاة بعد النوم ، ولا تسمى الصلاة تهجدا إلا إذا كانت بعد النوم وفي الليل ت (35)
خاصة"نافِلَةً لَكَ"زائدة على سائر الصلوات.
روي عن عائشة رضي اللّه عنها وعن أبيها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: ثلاث هي عليّ فريضة وهي سنة لكم:
الوتر والسواك وقيام الليل.
وروي عن الحجاج بن عمر والمازني أنه قال: أيحسب أحدكم إذا قام من الليل فصلى حتى يصبح أنه قد تهجد ، إنما التهجد الصلاة بعد الرّقاد ، ثم صلاة أخرى بعد رقدة ، ثم صلاة أخرى بعد رقدة ، هكذا كانت صلاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم"عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً"79 من قبل أهل السماوات والأرض.
واعلم أن عسى هنا وفي كل موضع من القرآن إذا كانت من اللّه تكون بمعنى الإيجاب التفضّلي ، لأن معناها الإطماع ، ومن أطمع إنسانا في شيء ثم حرمه منه كان عارا عليه ، واللّه أكرم من أن يطمع أحدا بشيء ثم لا يعطيه إياه ، والمقام المحمود وهو مقام الشفاعة العظمى العامة الذي اختصه اللّه تعالى به يحمده عليه الأولون والآخرون ، وناهيك أن اللّه تعالى سماه محمودا.