ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً وأبا موسى إلى اليمن أوصاهما بقوله:"يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا ..." [متفق عليه] .
وقال عمر رضي الله عنه: لا تبغِّضوا لله إلى عباده، فيكون أحدكم إماماً فيطول على القوم الصلاة حتى يبغِّض إليهم ما هم فيه.
والعيب الثاني:
أنه قصير العمر، والاستمرار عليه في العادة غير متيسر، فالإنسان ملول، وطاقته محدودة، فإن صبر يوماً على التشدد والتعسير، فسرعان ما تكل دابته أو تحرن عليه مطيته في السير. . وأعني بهما جهده البدني والنفسي، فسيأم ويدع العمل حتى القليل منه. أو يأخذ طريقاً آخر، على عكس الطريق الذي كان عليه .. أي ينتقل من الإفراط إلى التفريط، ومن التشدد إلى التسيب، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
وكثيراً ما رأيت أناساً عرفوا بالتشدد والتطرف حيناً، ثم غبت عنهم أو غابوا عني زمناً فسألت عنهم بعد، فإما ساروا في خط آخر، وانقلبوا على أعقابهم، والعياذ بالله. . وإما قد فتروا وانقطعوا كالمنبت الذي جاء ذكره في الحديث"فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" [رواه البزار عن جابر بإسناد ضعيف] يريد بالمنبت الذي انقطع عنه رفقته بعد أن أجهد دابته.
ومن هنا كان التوجيه النبوي بقوله صلى الله عليه وسلم:"اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا .. وإنّ أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قل" [رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها] .
وعن ابن عباس قال: كانت مولاة للنبي صلى الله عليه وسلم تصوم النهار وتقوم الليل فقيل له: إنها تصوم النهار وتقوم الليل! فقال صلى الله عليه وسلم:"إن لكل عمل شِرَّة (حدة ونشاطاً) ولكل شرة فترة (استرخاء وفتوراً) فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل" [رواه البزار ورجاله رجال الصحيح] .