وهاتان الآيتان الكريمتان تبينان للجماعة المؤمنة حقيقة منهج الإسلام في التمتع بالطيبات، ومقاومة الغلو الذي وجد في بعض الأديان، فقد روي في سبب النزول أن رهطاً من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كالرهبان! وروى أن رجالاً أرادوا أن يتبتلوا أو يخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح (ملابس الرهبان) فنزلت ..
وجاء عن ابن عبّاس: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنّي إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء، وإني حرمت عليّ اللحم. فنزلت: (( يا أيُّها الذين آمنوا لا تُحرِّموا ) ) [ذكر هذه الروايات ابن كثير في تفسيره] .
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فكأنهم تقالُّوها (أي عدّوها قليلة) فقال بعضهم: لا آكل اللحم .. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنتي فليس مِني".
وسنته ـ عليه الصلاة والسلام ـ تعني منهجه في فهم الدين وتطبيقه، وكيف يعامل ربه عز وجل، ويعامل نفسه وأهله والناس من حوله - معطياً كل ذي حقٍ حقَّه، في توازن واعتدال.
العيوب والآفات الملازمة للغلو في الدين
وما كان هذا التحذير من التطرف والغلو إلاّ لأن فيه عيوباً وآفات أساسية تصاحبه وتلازمه. منها:
العيب الأول:
أنه منفِّر لا تحتمله طبيعة البشر العادية، ولا تصبر عليه، ولو صبر عليه قليل منهم لم يصبر عليه جمهورهم، والشرائع إنما تخاطب الناس كافة، لا فئة ذات مستوى خاص، ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم على صاحبه الجليل"معاذ"حين صلى بالناس فأطال حتى شكاه أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أفتان أنت يا معاذ؟! وكررها ثلاثاً [رواه البخاري] .
وفي واقعة مماثلة قال للإمام في غضب شديد لم يغضب مثله:"إن منكم منفرين ... من أَمَّ بالناس فليتجوز، فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة" [رواه البخاري] .