{وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 122] وفيه إشارة إلى استجابة دعائه، فإنه دعا ربه وقال: {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء: 83] فأجابه وقال: {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 122] إلحاقاً بهم في قوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [النحل: 123] إشارة إلى أن الله تعالى لمَّا بين كمالات مقام إبراهيم عليه السلام وما أنعم الله عليه بأمره باتباعه؛ ليهتدي بهداه ويقتضي به في بذل الوجود لمولاه؛ إذ رمى في النار وقال: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 124] لئلا يرضى بالشركة مع الله في الوجود، فلمَّا سلك النبي صلى الله عليه وسلم طريق متابعته وسلَّم وجهه لله ليذهب إلى الله، كما ذهب إبراهيم عليه السلام وقال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي} [الصافات: 99] نودي في سفره: إن إبراهيم كان خليلنا، وأنت حبيبنا فالفرق بينكما أن الخليل لو كان ذاهباً يمشي بنفسه فالحبيب يكون راكباً أسري به، فلمَّا بلغ سدرة المنتهى وحد مقام الخليل عندها فقيل له: إنها السدرة لمقام الخليل لو رضيت بها لنرينها لك، {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: 16] لعلو همته الحبيبية {مَا زَاغَ الْبَصَرُ} [النجم: 17] بالنظر إليها {وَمَا طَغَى} [النجم: 17] باتخاذ المنزل عندها {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 8 - 9] وهي مقام الحبيب فبقي مع الله بلا هو في خلوة لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب وهو جبريل ولا نبي مرسل وهو هويته، فلمَّا جاوز حد المتابعة صار متبوعاً، فإن كان هو صلى الله عليه وسلم في الدنيا محتاجاً إلى متابعة الخليل، فالخليل يكون في الآخرة محتاجاً إلى شفاعته، كما قال:"الناس يحتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم".