ثم قال: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النحل: 77] يشير بغيب السماوات إلى الأرواح، وبغيب الأرض إلى النفوس يعني: هو الواقف على خاصية الأرواح والنفوس، فلو وكلّ كل جنس منها إلى طبعها وخاصيتها لا ترجع إلى ربها، ولا تهتدي إلى ربها بهداية الله إياها يدل عليه قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 27 - 28] فرجوعها يكون بالإماتة والإحياء بأن يميتها عن أوصافها ويحييها بصفائه، وهي من أمر الساعة فقال: {وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ} [النحل: 77] في الإماتة والإحياء عند قدرتنا {إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77] أي: بل هو أقرب؛ لأن الإماتة بتجلي صفة الجلال والإحياء بتجلي صفة الجمال، فإذا تجلى الله لعبد لا يبقى له زمان ولا مكان إذ هو فانٍ عن وجوده باقٍ ببقاء الحق تعالى وتقدس {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 77] من المواهب التي يقربها أولياءه {قَدِيرٌ} [النحل: 77] ، وإن لم يفهم الأغنياء بقولهم كيفية تلك المعارف والكمالات؛ بل العقلاء بعقولهم السليمة بمعزل عن إدراك تلك الحقائق.
فثم أخبر عن كمال قدرته وجهل الإنسان بحكمته بقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً} [النحل: 78] أي من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت ذرَّاتهم تعلم من فهم خطاب ربكم إذ قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ولا مما علمت إذ قالت بالجواب: {بَلَى} [الأعراف: 172] ولا مما تعلمت الحيوانات حين ولادتها من طلب غذائها ومعرفة أمها والرجوع إليها والاهتداء إلى ضروعها وطريق تحصيل اللبن منها ومشيها خلفها وغير ذلك مما تعلم الحيوانات وتهتدي إليه ولا يعلم الطفل منه شيئاً ولا يهتدي إليه.