ثَلاَثَةٌ لَيْسَ لَهَا نِهَايَه ... الأَمْنُ والصِحَّةُ والكفايَة
وقد جاءهم رسول من أنفسهم، فأنذرهم وحذَّرهم، فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسوله، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وأذاقهم لباس الجوع والخوف بدعاء رسول - صلى الله عليه وسلم - إذ قال:"اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف"فاضطروا إلى أكل الجيف، والكلاب الميتة، والعظام المحرقة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، من سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم، ثم أخذهم يوم بدر ما أخذهم من العذاب، وقد جعل الله الجوع والخوف اللذين خالط ضررهما أجسامهم لباسًا لهم لأن أثرهما وضررهما قد أحاط بهم من كل جانب، فأشبها اللباس الذي يغطي الجسم ويحيط به، وجعل إصابتهم بهما إذاقة دلالة على شدة تأثيرهما الشديد الذي حدث فيهم، كما يكون ذلك حين ذوق شيء مر بشع كريه، إذ يجد الذائق تقززًا واشمئزازًا.
114 -ثم لمَّا وعظهم الله سبحانه بما ذكره من حال أهل القرية المذكورة .. أمرهم أن يأكلوا مما رزقهم الله من الغنائم وغيرها، وجاء بالفاء للإشعار بأن ذلك متسبِّب عن ترك الكفر، فقال: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ} والفاء فيه فاء الفصيحة، والخطاب للمؤمنين على الراجح؛ أي: إذا عرفتم أيها المؤمنين ما حلَّ بأهل تلك القرية من العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم، وأردتم بيان ما هو الأصلح واللازم لكم .. فأقول لكم: كلوا واشربوا يا معشر المؤمنين ما رزقكم الله تعالى وأعطاكموه حالة كونه {حَلَالًا طَيِّبًا} ؛ أي: لذيذًا تستطيبه النفوس السليمة من بهائم الأنعام التي أحلها لكم، وذروا الخبائث من الميتة والدم، {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} ؛ أي: واشكروه على ما أنعم به عليكم، بتحليله ما أحل لكم، وبسائر نعمه المتظاهرة عليكم {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ} لا غيره {تَعْبُدُونَ} ؛ أي: تخصونه بالعبادة، فتطيعونه فيما يأمركم به، وتنتهون عما ينهاكم عنه، والمراد بذلك الحث على اتباع أوامره والمداومة عليها.