{وَلَقَدْ جَاءهُمْ} يعني: أهل مكة {رَسُولٌ مّنْهُمْ} من جنسهم يعرفونه ويعرفون نسبه ، فأمرهم بما فيه نفعهم ونهاهم عما فيه ضرهم {فَكَذَّبُوهُ} فيما جاء به {فَأَخَذَهُمُ العذاب} النازل بهم من الله سبحانه ، والحال أنهم في حال أخذ العذاب لهم {ظالمون} لأنفسهم بإيقاعها في العذاب الأبديّ ، ولغيرهم بالإضرار بهم وصدّهم عن سبيل الله ، وهذا الكلام من تمام المثل المضروب.
وقيل: إن المراد بالعذاب هنا هو الجوع الذي أصابهم ، وقيل: القتل يوم بدر.
ثم لما وعظهم الله سبحانه بما ذكروه من حال أهل القرية المذكورة ، أمرهم أن يأكلوا مما رزقهم الله من الغنائم ونحوها ، وجاء بالفاء للإشعار بأن ذلك متسبب عن ترك الكفر.
والمعنى: أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر ، فكلوا الحلال الطيب وهو الغنيمة ، واتركوا الخبائث وهو الميتة والدم {واشكروا نِعْمَتَ الله} التي أنعم بها عليكم واعرفوا حقها {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ولا تعبدون غيره ، أو إن صحّ زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة التي زعمتم عبادة الله تعالى.
وقيل: إن الفاء في {فكلوا} داخلة على الأمر بالشكر ، وإنما أدخلت على الأمر بالأكل ، لأن الأكل ذريعة إلى الشكر.
{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} كرّر سبحانه ذكر هذه المحرمات في البقرة والمائدة والأنعام ، وفي هذه السورة قطعاً للأعذار ، وإزالة للشبهة ، ثم ذكر الرخصة في تناول شيء مما ذكر فقال: {فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقد تقدّم الكلام على جميع ما هو مذكور هنا مستوفى.
ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة ، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدّم ، فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب} قال الكسائي ، والزجاج:"ما"هنا مصدرية.