وقد قدمنا طرفاً من ذلك في الكام على قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل: 83] الآية.
وقوله: {فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} وقع نظيره قطعاً لأهل مكة. لما لجوا في الكفر والعناد ، ودعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال:"اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف"فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء ، حتى أكلوا الجيف والعله. (وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه) ، وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن. وذلك الخوف من جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعزواته وبعوثه وسراياه. وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات. فقد فسر ابن مسعود آية (الدخان) بما يدل على ذلك.
قال البخاري في صحيحه: باب {فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] فارتقب: فاتنظر ، حدثنا عبدان ، عن أبي حمزة عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عبد الله قال: مضى خمس: الدخان ، والروم والقمر ، والبطشة ، واللزام. {يَغْشَى الناس هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 11] حدثنا يحيى ، حدثنا أبو معاويه. عن الأعمش ، عن مسلمن عن مسروق قالك قال عبد الله:"إنما كان هذا لأن قريشاً لما استعصوا على السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد."
فأنزل الله تعالى {فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى الناس هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 10 - 11] فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله ، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت! قال:"لمضر؟! إنك لجريء!"فاستسقى فسقوا. فنزلت {إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} [الدخان: 15] فلما أصابتهم الرفاهبة عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية. فأنزل الله عز وجل: {يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} [الدخان: 16] يعني يوم بدر.