مثل هذه القضية واضحة في حادث تحويل القبلة ، حيث لا مشقة على الناس في الاتجاه نحو بيت المقدس ، ولا تيسير عليهم في الاتجاه نحو الكعبة ، الأمر اختبار للطاعة والانصياع لأمر الله ، فكان من الناس مَنْ قال: سمعاً وطاعة ونفّذوا أمر الله فوراً دون جدال ، وكان منهم مَن اعترض وأنكر واتهم رسول الله بالكذب على الله .
ومن ذلك أيضاً ما نراه في مناسك الحج مما سنَّه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نُقبل الحجر الأسعد وهو حجر ، ونرمي الجمرات وهي أيضاً حجر ، إذن: هذه أمور لا مجال للعقل فيها ، بل هي لاختبار الطاعة والانقياد للمشرع سبحانه وتعالى .
ثم يقول تعالى:
{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 101] .
بل: حرف يفيد الإضراب عن الكلام السابق وتقرير كلام جديد ، فالحق سبحانه وتعالى يُلغي كلامهم السابق:
{قالوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ ...} [النحل: 101] .
ويقول لهم: لا ليس بمفتر ولا كذاب ، فهذا اتهام باطل ، بل أكثرهم لا يعلمون .
وكلمة {أَكْثَرُهُمْ} هنا ليس بالضرورة أنْ تقابل بالأقل ، فيمكن أن نقول: أكثرهم لا يعلمون . وأيضاً: أكثرهم يعلمون كما جاء في قول الحق سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب . .} [الحج: 18] .
هكذا بالإجماع ، تسجد لله تعالى جميع المخلوقات إلا الإنسان ، فمنه كثير يسجد ، يقابله أيضاً كثير حَقَّ عليه العذاب ، فلم يقُلْ القرآن: وقليل حَقَّ عليه العذاب .
وعلى فَرْض أن:
{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النحل: 101] .