إذن: هناك أقلية تعلم صِدْق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه ، وتعلم كذبهم وافتراءهم على رسول الله حينما اتهموه بالكذب ، ويعلمون صِدْق كل آية في مكانها ، وحكمة الله المرادة من هذه الآية .
فَمنْ هم هؤلاء الذين يعلمون في صفوف الكفار والمشركين؟
قالوا: لقد كان بين هؤلاء قَوْم أصحاب عقول راجحة ، وفَهْم للأمور ، ويعلمون وجه الحق والصواب في هذه المسألة ، ولكنهم أنكروها ، كما قال الحق تبارك وتعالى: {وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} [النمل: 14] .
وأيضاً من هؤلاء أصحاب عقول يفكرون في الهدى ، ويُراودهم الإسلام ، وكأن لديهم مشروعَ إسلام يُعِدون أنفسهم له ، وهم على علم أن كلام الكفار واتهامهم لرسول الله باطل وافتراء .
وأيضاً من هؤلاء مؤمنون فعلاً ، ولكن تنقصهم القوة الذاتية التي تدفع عنهم ، والعصبية التي تردّ عنهم كَيْد الكفار ، وليس عندهم أيضاً طاقة أنْ يهاجروا ، فهم ما يزالون بين أهل مكة إلا أنهم مؤمنون ويعلمون صِدْق رسول الله وافتراء الكفار عليه ، لكن لا قدرة لهم على إعلان إيمانهم .
وفي هؤلاء يقول الحق تبارك وتعالى: {وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ...} [الفتح: 24 - 25] .