أولاً: في قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} قد يقول قائل: ولماذا لم يَأْتِ بالخيرية من البداية؟
نقول: لأن الحق سبحانه حينما قال: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ . .} [آل عمران: 102] .
وهذه منزلة عالية في التقوى ، لا يقوم بها إلا الخواصّ من عباد الله ، شَقَّتْ هذه الآية على الصحابة وقالوا: ومَنْ يستطيع ذلك يا رسول الله؟
فنزلت: {فاتقوا الله مَا استطعتم . .} [التغابن: 16] .
وجعل الله تعالى التقوى على قدر الاستطاعة ، وهكذا نسخت الآية الأولى مطلوباً ، ولكنها بقيت ارتقاء ، فَمنْ أراد أنْ يرتقي بتقواه إلى (حَقّ تُقَاتِهِ) فبها ونِعْمت ، وأكثر الله من أمثاله وجزاه خيراً ، ومَنْ لم يستطع أخذ بالثانية .
ولو نظرنا إلى هاتين الآيتين نظرة أخرى لوجدنا الأولى: {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ...} [آل عمران: 102] .
وإنْ كانت تدعو إلى كثير من التقوى إلا أن العاملين بها قِلَّة ، في حين أن الثانية: {فاتقوا الله مَا استطعتم . .} [التغابن: 16] .
وإنْ جعلتَ التقوى على قَدْر الاستطاعة إلا أن العاملين بها كثير ، ومن هنا كانت الثانية خَيْراً من الأولى ، كما نقول: قليل دائم خير من كثير منقطع .
أما في قوله تعالى: {أَوْ مِثْلِهَا} أي: أن الأولى مِثْل الثانية ، فما وَجْه التغيير هنا ، وما سبب التَبديل؟
نقول: سببه هنا اختبار المكلَّف في مدى طاعته وانصياعه ، إنْ نُقِل من أمر إلى مثله ، حيث لا مشقَّة في هذا ، ولا تيسيرَ في ذاك ، هل سيمتثل ويطيع ، أم سيجادل ويناقش؟