كانت خزاعة وكنانة يزعمان أَن الملائكة بنات الله, وقد انطوى هذا الزعم على فريتين: إِحداهما: أَن الملائكة إِناث، وثانيتهما: أَنهم بنات الله, فأَما الزعم الأَول فقد ردَّه الله بقوله: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} . وأَما الزعم الثاني فقد ردَّه الله بهذه الآية.
والمعنى: ويجعل المشركون البنات لله حيث يزعمون أَن الملائكة بنات الله - سبحانه وتنزيها له عن هذا الزعم الفاسد - والحال أَنهم يجعلون لأَنفسهم ما يحبون من البنين, فهم بذلك يختارون لأنفسهم في التبني, أفضل مما يختارون لربهم، تعالى الله عن التبنى بجانبيه علوًّا كبيرًا.
ثم يُوبِّخُهم الله على هذه النسبة أكثر مما مضى وأَصرح فيقول:
58 - {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} : أَي وإِذا أخْبِر أَحد هؤُلاءِ بولادة أنثى له، صار وجهه قاتم اللون كأَنما علاه السواد غيظًا من شدَّة الغَمِّ والحياء من الناس كأنما ارتكب ما يخجله. {وَهُوَ كَظِيمٌ} : أَي وهو ممتلئٌ غيظًا وغضبًا, ثم يبلغ به الخجل من البشارة، بالأنثى إِلى ما حكى الله بقوله:
59 - {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} :
أَي يستخفي من قومه حتى لا يروه بسبب ما بُشِّرَ به من السوء حينما أخبروه بولادة أنثى له وجعل يحدث نفسه في شأنه {أَيُمْسِكُهُ} فلا يقْتلهُ. ويظل يمسكه {عَلَى هُونٍ} : على ذلٍّ وهوانٍ. {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} : بأَن يحْفر له فيه حُفْرة فيدفنه فيها حيا. ويهيل التراب عليه كما كانوا يقول: وأْد البنات من المكرمات, وإذا كان هذا حالهم في كراهة نسبة البنات إِلى أَنفسهم فكيف ينسبونها إِلى الله, إِذ يحكمون بأَن الملائكة بناته، ولهذا قبح الله حكمهم هذا فقال:
{أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} : أي أَلا قبُح حكم حيث يجعلون ما هذا شأنه من الحقارة والهوان لديهم - يجعلونه وينسبونه - لله المنزه عن الصاحبة والولد ذكرًا كان أَو أنثى في حين أَنهم يتحاشون الإِناث. ويختارون لأَنفسهم البنين.