ثم لُوحِظ أن بعض الناس يُصلي وهو مخمور ، حتى قال بعضهم في صلاته: أعبد ما تعبدون ، فجاء الحكم: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ . .} [النساء: 43] .
ومقتضى هذا الحكم أنْ يصرفهم عن الخمر معظم الوقت ، فلا تتأتى لهم الصلاة دون سُكْر إلا إذا امتنعوا عنها قبل الصلاة بوقت كافٍ ، وهكذا عوَّدهم على تركها معظم الوقت ، كما يحدث الآن مع الطبيب الذي يعالج مريضه من التدخين مثلاً ، فينصحه بتقليل الكمية تدريجياً حتى يتمكَّن من التغلب على هذه العادة .
وبذلك وصل الشارع الحكيم سبحانه بالنفوس إلى مرحلة ألفَتْ فيها تَرْك الخمر ، وبدأت تنصرف عنها ، وأصبحت النفوس مُهيّئة لتقبُّل التحريم المطلق ، فقال تعالى:
{يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه . .} [المائدة: 90] .
إذن: الحق سبحانه وتعالى نسخ آية وحُكْماً بما هو أحسن منه .
والعجيب أنْ نرى من علمائنا مَنْ يتعصّب للقرآن ، فلا يقبل القول بالنسخ فيه ، كيف والقرآن نفسه يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا . .} [البقرة: 106] .
قالوا: لأن هناك شيئاً يُسمَّى البداء . . ففي النسخ كأن الله تعالى أعطى حُكْماً ثم تبيّن له خطؤه ، فعدل عنه إلى حُكْم آخر .
ونقول لهؤلاء: لقد جانبكم الصواب في هذا القول ، فمعنى النسخ إعلان انتهاء الحكم السابق بحكم جديد أفضل منه ، وبهذا المعنى يقع النسخ في القرآن الكريم .
ومنهم مَنْ يقف عند قوه الحق تبارك وتعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا . .} [البقرة: 106] .
فيقول: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} فيها عِلَّة للتبديل ، وضرورة تقتضي النسخ وهي الخيرية ، فما عِلَّة التبديل في قوله: {أَوْ مِثْلِهَا} ؟