وقد قدمنا (في سورة الأنعام) أن الذي يظهر لنا أنه الصواب: هو أن أخبار الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه ، وانه لا معارضة بينهما. لأن المتواتر حق ، والسنة الورادة بعده إنما بنيت شيئاً جديداً لم يكن موجوداً قبل ، فلا معارضة بينهما ألبتة لاختلاف زمنهما.
فقوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام: 145] الآية.
يدل بدلالة المطابقة دلالة صريحة على إباحة لحوم الحمر الأهلية.
لصراحة الحصر بالنفي والإثبات في الآية في ذلك. فإذا صرح النَّبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح"بأن لحوم الحمر الأهلية غير مباحة"فلا معارضة البتة بين ذلك الحديث الصحيح وبين تلك الآية النازلة قلبه بسنين. لأن الحديث دل على تحريم جديد ، والآية ما نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح.
فالتحقيق إن شاء الله - هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه ، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين ، ودرج على خلافه وفاقا لجمهور صاحب المراقي بقوله:
والنسخ بالآحاد للكتاب ليس بواقع على الصواب
ومن هنا تعلم - أنه لا دليل على بطلان قول من قال: إن الوصية للوالدين الأقربين منسوخة بحديث {لا وصية لوارث} والعلم عند الله تعالى.
المسألة السابعة - اعلم أن التحقيق هو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل. فإن قيل: ما الفائدة في تشريع الحكم أولاً إذا كان سينسخ قبل التمكن من فعله؟