حاولْنَ استغلال أن هذه الفتاة ما تزال صغيرة غِرة ، تتمتع بسلامة النية وصفاء السريرة ، ليس لديها من تجارب الحياة ما تتعلم منه لُؤْماً أو مكْراً ، وهي أيضاً ما تزال في نشوة فرحتها بأنْ أصبحت أماً للمؤمنين ، وتحرص كل الحرص على إرضاء النبي صلى الله عليه وسلم فاستغل نساء النبي صلى الله عليه وسلم هذا كله ، وقالت لهن إحداهن: إذا دخلتِ على رسول الله فقولي له: أعوذ بالله منك ، فإنه يحب هذه الكلمة .
أخذت الفتاة هذه الكلمة بما لديها من سلامة النية ، ومحبة لرسول الله ، وحرص على إرضائه ، وقالت له: أعوذ بالله منك ، وهي لا تدري معنى هذه العبارة فقال صلى الله عليه وسلم:"لقد عُذْت بمعاذ ، الحقي بأهلك".
أي: ما دُمْت استعذت بالله فأنا قبلت هذه الاستعاذة ؛ لأنكِ استعذت بمعاذ أي: بمن يجب علينا أن نترككِ من أجله ، ثم طلقها النبي صلى الله عليه وسلم امتثالاً لهذه الاستعاذة .
إذن: مَن استعاذ بالله لا بُدَّ للمؤمن أنْ يُعيذه ، ومن استجار بالله لا بُدَّ للمؤمن أن يكون جندياً من جنود الله ، ويجيره حتى يبلغ مأمنه .
وفي الآية الكريمة أسلوب شرط ، اقترن جوابه بالفاء في قوله تعالى:
{فاستعذ ...} [النحل: 98] .
فإذا رأيت الفاء فاعلم أن ما بعدها مترتبٌ على ما قبلها ، كما لو قُلْتَ: إذا قابلت محمداً فقُلْ له كذا . . فلا يتم القول إلا بعد المقابلة . أما في الآية الكريمة فالمراد: إذا أردت قراءة القرآن فاستعِذْ ؛ لأن الاستعاذة هنا تكون سابقة على القراءة ، كما جاء في قَول الحق تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ . .} [المائدة: 6] .
فالمعنى: إذا أردتُمْ إقامة الصلاة فاغسلوا وجوهكم ، وكذلك إذا أردتَ قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ؛ لأن القرآن كلام الله .