الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: عَدَّدَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ نِعَمِهِ مَا شَرَحَ فِيهَا ، فَمِنْهَا الظِّلَالُ تَقِي مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ الَّذِي لَا تَحْتَمِلُهُ الْأَبْدَانُ ، وَلَا يَبْقَى مَعَهُ ، وَلَا دُونَهُ الْإِنْسَانُ ، مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ وَغَمَامٍ ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الْجِبَالُ ، وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: خَلَقَهَا اللَّهُ عُدَّةً لِلْخَلْقِ ، يَأْوُونَ إلَيْهَا ، وَيَتَحَصَّنُونَ بِهَا ، وَيَعْتَزِلُونَ الْخَلْقَ فِيهَا ، فَقَدْ {كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَبَّدُ بِغَارِ حِرَاءٍ ، وَيَمْكُثُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ وَقَدْ خَرَجَ مُهَاجِرًا إلَى رَبِّهِ ، هَارِبًا مِنْ قَوْمِهِ ، فَارًّا بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ مَعَ أَصْحَابِهِ ، وَاسْتَحْصَنَ بِغَارِ ثَوْرٍ ، وَأَقَامَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ مَعَ الصِّدِّيقِ صَاحِبِهِ ، ثُمَّ أَمْضَى هِجْرَتَهُ ، وَأَنْفَذَ عَزْمَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إلَى دَارِ هِجْرَتِهِ} .
وَقَدْ قِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّهْلَ وَالْجِبَالَ ، وَلَكِنَّهُ حَذَفَ أَحَدَهُمَا لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا مُبْتَغِيهِ أَمْ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي وَكَمَا قَالَ فِي الْحَرِّ بَعْدَ هَذَا: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ} أَرَادَ وَالْبَرْدَ ، فَحُذِفَ ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْآخَرُ.