إياك أن تظن أنه الأسمنت والحديد وهندسة البناء. . لا. . بل يمسكها الهواء الذي يحيط بها من كل جانب، بدليل أنك لو فَرَّغتَ جانباً منها من الهواء لأنهارتْ فوراً نحو هذا الجانب؛ لأن للهواء ضغطاً، فإذا ما فرَّغْتَ جانباً منها قَلَّ فيه الضغط فانهارتْ.
فالهواء إذن هو الضابط لهذه المسألة، وبالهواء يتوازن الطير في السماء، ويسير كما يهوى، ويتحرك كما يحب.
ثم يقول تعالى:
{إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] .
أي: أن الطير الذي يطير في السماء فيه آيات أي عجائب، عجائب صَنْعة وعجائب خَلْق، يجب أنْ تتفكَّرُوا فيها وتعتبروا بها.
ولكي نقف على هذه الآية في الطير نرى ما حدث لأول إنسان حاول الطيران. . إنه العربي عباس بن فرناس، أول مَنْ حاول الطيران في الأندلس، فعمل لنفسه جناحين، وألقى بنفسه من مكان مرتفع. . فماذا حدث لأول طائر بشرى؟
طار مسافة قصيرة، ثم هبط على مُؤخرته فكُسرت؛ لأنه نسي أن المسألة ليست مجرد الطيران، فهناك الهبوط الذي نسي الاستعداد له، وفاته أن يعمل له (زِمكّي) ، وهو الذيل الذي يحفظ التوازن عند الهبوط.
وكذلك الذين يصنعون الطائرات كم تتكلف؟ وكم فيها من أجهزة ومُعدِات قياس وانضباط؟ وبعد ذلك تحتاج لقائد يقودها أو مُوجّه يُوجّهها، وحينما أرادوا صناعة الطائرة جعلوها على شكل الطير في السماء له جناحان ومقدمة وذيل، ومع ذلك ماذا يحدث لو تعطلّ محركها. . أو اختلّ توازنها؟!
إذن: الطير في السماء آية تستحق النظر والتدبُّر؛ لنعلمَ منها قدرة الخالق سبحانه.
ويقول تعالى:
{لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] .
يؤمنون بوجود واجب الوجود، يؤمنون بحكمته ودقَّة صنعه، وأنها لا مثيلَ لها من صنعة البشر مهما بلغتْ من الدقة والإحكام. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ}