قال سبحانه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ) ، أي بين حالا لرجلين موازنا بينهما (أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ) ، أي أخرس لَا يستطيع أن ينطق فلا يجيب إذا دعاه الداعي، والأخرس في أكثر الأحوال ناقص في مداركه؛ لأنه قد سدت عليه مسالك العلم ولا يحس بمعنى الأشياء، والأخرس عادة يفقد النطق لأن النطق بالمحاكاة فهو لَا يعلم ولا يستطيع أن يبين هواجسه وخواطره فلا يحس بما حوله، وقد فقد المجلس والأنس، ولا يجلب لنفسه نفعا -، (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ) ، أي حمل وثقل، والمولى هنا القريب أو ذو الصلة به من أي أنواع الصلات الإنسانية، ومن كانت هذه حاله لَا ينفع الناس، وقد أشار مع ذلك إلى أنه ناقص المواهب ليس متفتح النفس والإدراك، وعبر اللَّه تعالى عن هذه الحال (أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لا يَأتِ بِخَيْر) ، وثاني الرجلين الموازن بينهما رِجل فيه حكمه جعلته يلى بعض الأمر، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله: (هَلْ يسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيم) الاستنهام هنا لإكار الوقوع أي للنفي المؤكد كأنه سئل السائل وأجيب بالنفي وكان الرجل الثاني الذي ينفي المقابلة بينه وبين الأول قد اتصف بصفتين جليلتين مما يعلو الرجال بهما في الأوساط الإنسانية:
الصفة الأولى - أنه يأمر بالعدل، ولا يأمر بالعدل إلا إذا كان هو عادلا في ذاته، والعدل صفة في النفس وهي الفضائل التي تدخل في تكوين المزاج الإنساني الكامل، فالعدالة في النفس تزكيها وتنميها وتتجه بها نحو الفضائل، فحيث كانت العدالة النفسية كان الصدق وكان الاعتدال وكانت القدرة على الصبر، فلا تحكمها الشهوات ويكون الانتصاف منها، ويكون تأديب النفس.
وربما يكنى بأنه يأمر بالعدل بتوليه أمور الناس أو بعضهم أو أن يكون الحكم، وهو يشير إلى أنه لَا يتولى أمور الناس إلا عدل يأمر بالعدل يأمر كل نوابه وحاشيته ويقوم بالقسطاس المستقيم بين الناس.