والله خلق هذا الخلق البشري وأنعم عليه بآلائه. وهو وحده الذي يفسد في الأرض ويظلم ، وينحرف عن الله ويشرك ؛ ويطغى بعضه على بعض ، ويؤذي سواه من الخلق.. والله بعد هذا كله يحلم عليه ويرأف به ، ويمهله وإن كان لا يهمله. فهي الحكمة تصاحب القوة ، وهي الرحمة تصاحب العدل. ولكن الناس يغترون بالإمهال ، فلا تستشعر قلوبهم رحمة الله وحكمته ، حتى يأخذهم عدله وقوته. عند الأجل المسمى الذي ضربه الله لحكمة ، وأمهلهم إليه لرحمة. {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} .
وأعجب ما في الأمر أن المشركين ، يجعلون لله ما يكرهون من البنات وغير البنات ، ثم يزعمون كاذبين أن سينالهم الخير والإحسان جزاء على ما يجعلون ويزعمون! والقرآن يقرر ما ينتظرهم وهو غير ما يزعمون:
{ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى. لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون} .
والتعبير يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته ، أو كأنها صورة له ، تحكيه وتصفه بذاتها. كما تقول قوامه يصف الرشاقة وعينه تصف الحور. لأن ذلك القوام بذاته تعبير عن الرشاقة مفصح عنها ، ولأن هذه العين بذاتها تعبير عن الحور مفصح عنه. كذلك قال: تصف ألسنتهم الكذب ، فهي بذاتها تعبير عن الكذب مفصح عنه مصور له ، لطول ما قالت الكذب وعبرت عنه حتى صارت رمزاً عليه ودلالة له!.
وقولهم: أن لهم الحسنى ، وهم يجعلون لله ما يكرهون هو ذلك الكذب الذي تصفه ألسنتهم أما الحقيقة التي يجبههم بها النص قبل أن تكمل الآية ، فهي ان لهم النار دون شك ولا ريب ، وعن استحقاق وجدارة: {لا جرم أن لهم النار} وأنهم معجلون إليها غير مؤخرين عنها: {وأنهم مفرطون} والفرط هو ما يسبق ، والمفرط ما يقدم ليسبق فلا يؤجل.