وهذه الآية ترد هذا التخصيص ؛ وكذلك قوله تعالى: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] .
و {أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم} [البقرة: 254] وغير ذلك من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"جعل رزقي تحت ظِلّ رُمْحِي"وقولِه:"أرزاق أمتي في سنابك خيلها وأسِنة رماحها".
فالغنيمة كلها رزق ، وكل ما صحّ به الانتفاع فهو رزق ، وهو مراتب: أعلاها ما يغذّي.
وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله:"يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأمضيت".
وفي معنى اللباس يدخل الركوب وغير ذلك.
وفي ألسنة المحدّثين: السماع رزق ، يعنون سماع الحديث ، وهو صحيح.
الخامسة: قوله تعالى: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} هو المؤمن ، يطيع الله في نفسه وماله.
والكافر لما لم ينفق في الطاعة صار كالعبد الذي لا يملك شيئاً.
{هَلْ يَسْتَوُونَ} أي لا يستوون ، ولم يقل يستويان لمكان"من"لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.
وقيل:"إنّ عبداً مملوكاً"،"ومن رزقناه"أريد بهما الشيوع في الجنس.
{الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي هو المستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه ؛ إذ لا نعمة للأصنام عليهم من يدٍ ولا معروف فتُحمد عليه ، إنما الحمد الكامل لله ؛ لأنه المنعم الخالق.
{بَلْ أَكْثَرُهُمْ} أي أكثر المشركين {لاَ يَعْلَمُونَ} أن الحمد لي ، وجميعَ النعمة مني.
وذكر الأكثر وهو يريد الجميع ، فهو خاص أريد به التعميم.
وقيل: أي بل أكثر الخلق لا يعلمون ، وذلك أن أكثرهم المشركون.
قوله تعالى: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ}
هذا مَثَلٌ آخر ضربه الله تعالى لنفسه وللوثَنَ ، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن ، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى ؛ قاله قَتادة وغيره.