ويقول سبحانه: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] .
328 -وننتهي من هذا التتبُّع إلى حقيقتين ثابتتين:
إحداهما: إنَّ محاربة المؤمنين لأيِّ قوم لا تكون إلَّا عند اعتدائهم بإخراج المسلمين من ديارهم ، أو إيذائهم في دينهم ، ومن الإيذاء أن يمنع الدعاة إلى الإيمان من أن يلاقوا الشعوب ، ويعرِّفوهم بالحق ، ومن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر ؛ لأنه لا إكراه في الدين ، ولكن بعد أن يتبيِّن الحق من الباطل ، والغي من الرشد ، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] .
الحقيقة الثانية: إنَّه إذا كان الاعتداء بأيِّ ضرب من ضروبه ، فإنَّ باب الجهاد يفتح دفاعًا وهجومًا وغزوًا والتقاء ، لا يمنع مانع إلَّا ما توجبه الفضيلة.
وقد فهم بعض الناس أنَّ القتال في الإسلام لا يكون إلَّا دفاعًا ، ولا يكون هجومًا ، وذلك خطأ ، والحق أنَّ القتال لا يكون لقوم إلَّا إذا اعتدوا ، فإن كان الاعتداء حل قتالهم دفاعًا وهجومًا ، وهم في الحالين المعتدون إلَّا أن يتوبوا أو يعاهدوا ويستقيموا.