وليس قتال المؤمنين ليكون باب الدعوة إلى الإسلام مفتوحًا بعد الاعتداء من المؤمنين ، بل هو رد للاعتداء ؛ لأنَّ القتال لأجل الدعوة لا يكون إلَّا بعد أن يرسل المؤمنون دعاة للإيمان ، فإن أجاب بعضهم ، ولم يضطهد في اعتقاده ، فإنه لا قتال ، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، وإن اضطهد كان الاعتداء بالفتنة ، فوجب القتال ردًّا للاعتداء بمثله.
وقد جاء الإسلام في عصر الملوك المتجبِّرين الذين كانوا يؤذون رعاياهم ، فكان منهم الاضطهاد لكل من تبلغه الدعوة ويؤمن ، وما أرسل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - الجيوش إلى الشام إلَّا بعد أنِ اضطهد الروم المسيطرون المسلمين الذين أسلموا في الشام وقتلوهم ، وما حارب الذين جاءوا من بعد الفرس إلّا لأنَّ كسرى حاول أن يرسل من يقتل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم.
ويلاحظ من يتلو آيات الأمر بالقتال أنَّ فيها النهي عن الاعتداء ، فالله تعالى يقول: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] .
والاعتداء المنهي عنه قسمان:
أحدهما: الاعتداء بالقتال على قوم لم يعتدوا على المؤمنين ، وهم الذين ما جعل الله عليه سبيلًا.
ثانيهما: الاعتداء في القتال ، فيقتل من لا يقاتل ، فيقتل مثلًا الشيوخ والنساء والذرية ، فإن هذا اعتداء في القتال منهي عنه ، ولذلك يقول الله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194] .
وإنَّ من مقتضى هذه التقوى ألَّا يقاتلوا من لا يقاتل ، وألَّا يقطعوا الأشجار ، وألَّا ينتهكوا الأعراض ، وألَّا يستبيحوا الأموال بغير حقها.