والقسم الثالث: المحايدون الذين لا يكونون مع المؤمنين ، ولا مع أعدائهم واقعًا ؛ لأنه ما دام الأصل في العلاقات هو السلم إلَّا إذا حدث ما يوجب القتال ، فإن لم يكن منهم ما يوجبه فإنَّه لا سبيل لأحد عليهم.
وقد فهم بعض الذين لا يدرسون المسائل دراسة فاحصة مستقرَّة أنَّه لا موضع للحياد في الفقه الإسلامي ، وذلك كلام من لم يمحص الحقائق ؛ لأن القرآن الكريم كما ترى جعل للحياد موضعًا ، وهم الذين يعتزولون الحرب مع المسلمين أو ضدهم ، فقال: إنه لا سبيل عليهم ، فكان الحياد ثابتًا بنص القرآن الكريم.
227 -وإذا تلونا بعض آيات القرآن الكريم التي فتحت باب القتال جهادًا في سبيل الله نجدها صرَّحت بأنَّ القتال كان للاعتداء من غيرنا بطريقتين: قتل المؤمنين والاعتداء عليهم ، وإخراجهم من ديارهم ، والثاني: بفتنتهم في دينهم ، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 29] أي: كل إنسان يعتنق ما يعتنق ، لا رقيب على قلبه إلَّا الله تعالى ، فلا إكراه في الدين ولا فتنة فيه.
وهنا يسأل سائل: ألم يبح القرآن القتال إلَّا دفاعًا أو ردًّا للاعتداء ، ولم يبح الهجوم؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إن القرآن صريح في أنه لا يباح القتال مع من ألقى السلام ، وبذلك يكون من المؤكد أنَّ الإسلام لا يبيح الهجوم على الآمنين الذين يلقون السلام وإنَّ ذلك حق لا ريب ؛ لأنَّه لا يباح الهجوم على من لا يعلن العداوة على المؤمنين ، ولكن هل يمنع الهجوم مطلقًا؟ وللجواب على ذلك نقول:
إنَّ الذي استنبط من صريح الآيات التي تلوناها أننا لا نحارب إلَّا من اعتدى علينا أو فتننا عن ديننا ، ومن الفتنة في الدِّين أن يمنع المتديّن من إقامة شعائر دينه ، وأن يحال بين الحق والدعوة إليه.