و «خير» صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال على سبيل التخفيف، كما قال ابن مالك:
وغالبا أغناهم خير وشر ... عن قولهم أخير منه وأشر
ونعم: فعل ماض لإنشاء المدح، وهو ضد بئس.
والمعنى: ولدار الآخرة وما فيها من عطاء غير مقطوع، خير لهؤلاء المتقين مما أعطيناهم في الدنيا، ولنعم دارهم هذه الدار. قال - تعالى -: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى.
ووصفها - سبحانه - بالآخرة، لأنها آخر المنازل، فلا انتقال عنها إلى دار أخرى، كما قال - تعالى -: خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا.
والمخصوص بالمدح محذوف لتقدم ما يدل عليه، والتقدير: ولنعم دار المتقين، دار الآخرة.
ثم وصف - سبحانه - ما أعده لهم من نعيم فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
والعدن: الإقامة الدائمة: يقال: عدن فلان ببلد كذا، إذا توطن فيه وأقام دون أن يبرحه أي: لهؤلاء المتقين: جنات دائمة باقية، يدخلونها بسرور وحبور، تجرى من تحت بساتينها وأشجارها الأنهار.
«لهم فيها ما يشاءون» مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين «كذلك يجزى الله المتقين» أي:
مثل هذا الجزاء الحسن، يجزى الله - تعالى - عباده المتقين، الذين جنبوا أنفسهم مالا يرضيه.
ثم حكى - سبحانه - ما تحييهم به الملائكة فقال: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ...
أي: هذا الجزاء الحسن لهؤلاء المتقين، الذين تتوفاهم الملائكة، أي: تقبض أرواحهم، حال كونهم «طيبين» أي: مطهرين من دنس الشرك والفسوق والعصيان.
«يقولون» أي الملائكة لهؤلاء المتقين عند قبض أرواحهم، «سلام عليكم» أي: أمان عليكم من كل شر ومكروه.
«ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون» أي: بسبب ما قدمتموه من أعمال صالحة.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ
الْمَلائِكَةُ، أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.