{رَوَاسِيَ} ؛ أي: جبالًا ثوابت من غير سبب ولا ظهير ولا معين، كأنهن حصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن في الأرض، فهو تصوير لعظمته وتمثيلٌ لقدرته، وإن كل عسير، فهو عليه يسير.
أي: وجعل فيها رواسي، بأن قال لها كوني فكانت، فأصبحت الأرض وقد أرسيت وأثبتت بالجبال، بعد أن كانت تمور مورًا، فلم يدر أحد مم خلقت، من رسا الشيء إذا ثبت جمع راسية والتاء للتأنيث على أنها صفة جبال، كراهية {أَنْ تَمِيدَ} وتتحرك الأرض {بِكُمْ} أيها العباد الأرضيون، على ما قاله البصريون، أو لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون، والميد: الاضطراب والميل يمينًا وشمالًا، يقال: ماد الشيء يميد ميدًا إذا تحرك، ومنه سميت المائدة.
والمعنى: كراهية أن تميد بكم وتضطرب، وقد خلق الله الأرض مضطربة لكونها على الماء، ثم أرساها بالجبال، وهي ستة آلاف وست مائة وثلاثة وسبعون جبلًا، سوى التلول على ما قاله الجغرافيون، على جريان عادته في جعل الأشياء منوطة بالأسباب، فالأرض بلا جبال كاللحم بلا عظام، فكما أن وجود الحيوان وجسده إنما يستمسك بالعظم، فكذا الأرض إنما تقوم بالرواسي، ألا ترى أن سطيحًا الكاهن لم يكن في بدنه عظم سوى القفا، لكونه من ماء المرأتين، وكان لا يستمسك وإنما يخرج في السنة مرة ملفوفًا في خرقة، أو موضوعًا على صحيفة من فضة {و} جعل سبحانه وتعالى في الأرض {أنهارًا} لأن في {ألقى} معنى الجعل، إذ الإلقاء جعل مخصوص، وهي جمع نهر، ويحرك وهو مجرى الماء، وذلك مثل الفرات نهر الكوفة، ودجلة نهر بغداد، وجيحون نهر بلخ، وجيحان نهر أذنة في بلاد الأرمن، وسيحون نهر الهند، وسيحان نهر المصيصة، والنيل نهر مصر، وغيرها من الأنهار الجارية في أقطار الأرض.
وحاصل المعنى: أي وألقى سبحانه وتعالى في الأرض جبالًا ثوابت، لتقر الأرض ولا تضطرب بما عليها من الحيوان، فلا يهنأ لهم عيشٌ بسبب ذلك، كما قال: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} وما الأرض إلا كسفينةٍ على وجه البحر، فإذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة .. تضطرب وتميل من جانب إلى جانب بأدنى الأسباب، وإذا وضعت فيها أجرام ثقيلة .. استقرت على حال واحدة، فكذا الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت.