{قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: بأنبيائهم: {فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} أي: قلع بنيانهم من قواعده وأُسُسه فهدمه عليهم حتى أهلكهم و (الإتيان) يتجوز به عن (الإهلاك) كقوله تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2] ، ويقال: أُتِي فلان من مأمنه ، أي: جاءه الهلاك من جهة أمنه . وأتى عليه الدهر: أهلكه وأفناه . ومنه الأُتُوُّ وهو الموت والبلاء . يقال أتى على فلان أتوُّ ، أي: موت أو بلاء يصيبه . وقد جوَّز في الآية إرادة حقيقة هلاكهم . كالمحكي عن قوم لوط وصالح عليهما السلام ، فيما تقدم . أو مجازه على طريق التمثيل ؛ لإفساد ما أبرموه من هدم دينه تعالى . شبهت حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكايد ، للإيقاع بالرسل عليهم السلام . وفي إبطاله تعالى تلك الحيل ، وجعله إياها أسباباً لهلاكهم ، بحال قوم بنوا بنياناً وعمَّدوه بالأساطين . فأتى ذلك من قبل أساطينه بأن ضعضعت ، فسقط عليهم السقف فهلكوا . ووجه الشبه: أن ما عدوه سبب بقائهم ، عاد سبب استئصالهم وفنائهم ، كقولهم: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً . وقوله: {مِن فَوْقِهمْ} متعلق بـ (خَرَّ) . و (من) لابتداء الغاية ، أو متعلق بمحذوف على أنه حال من (السقف) مؤكدة . وقيل: إنه ليس بتأكيد ؛ لأن العرب تقول: خر علينا سقف ووقع علينا حائط ، إذا انهدم في ملكه وإن لم يقع عليه: {وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ} أي: الهلاك والدمار: {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} أي: لا يحتسبون .
القول في تأويل قوله تعالى:
{ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ} [27] .