ثم نبه ، سبحانه وتعالى ، على كثرة نعمه عليهم وإحسانه بما لا يحصى ؛ إشارة إلى أن حق عبادته غير مقدور ، بقوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} أي: لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم ، فضلاً أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر: {إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: حيث يتجاوز عن التقصير في أداء شكرها ، ولا يقطعها عنكم لتفريطكم ، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها . قاله الزمخشري .
ولحظ ابن جرير ؛ أن مغفرته تعالى ورحمته لهم ، إذا تابوا وأنابوا . أي: فيتجاوز عن تقصيرهم بشكرها الحقيقي ، ولا يعذبهم بعد توبتهم وإنابتهم إلى طاعته .
لطيفة:
قال أبو السعود: كان الظاهر إيراد هذه الآية عقيب ما تقدم من النعم المعددة ، تكملة لها على طريقة قوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] . ولعل فصل ما بينهما بقوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ} [النحل: 17] ؛ للمبادرة إلى إلزام الحجة ، وإلقاء الحجر ، إثر تفصيل ما فصل من الأفاعيل ، التي هي أدلة الوحدانية .
القول في تأويل قوله تعالى:
{وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [19 - 21] .
{وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} أي: من أعمالكم وسيجزيكم عليه .