وكان الظاهر فيلقون إلى آخره إلا أنه عبر بصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي يقول لهم سبحانه ذلك فيستسلمون وينقادون ويتركون المشاقة وينزلون عما كانوا عليه في الدينا من الكبر وشدة الشكيمة ، ولعله مراد من قال: إن الكلام قد تم عند قوله تعالى: {أَنفُسِهِمْ} ثم عاد إلى حكاية حالهم يوم القيامة ، وقيل: عطف على {قَالَ الذين} [النحل: 27] وجوز أبو البقاء.
وغيره العطف على {تتوفاهم} واستظهره أبو حيان ، لكن قال الشهاب: إنه إنما يتمشى على كون {تتوفاهم} بمعنى الماضي ، وقد تقدم لك القول بأن الجملة خبر {الذين} مع ما فيه.
واعترض الأول بأن قوله تعالى: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء} إما أن يكون منصوباً بقول مضمر وذلك القول حال من ضمير {أَلْقَوْاْ} أي ألقوا السلم قائلين ما كنا إلى آخره أو تفسيراً للسلم الذي ألقوه بناء على أن المراد به القول الدال عليه بدليل الآية الأخرى {فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول} [النحل: 86] وأياماً كان فذلك العطف يقتضي وقوع هذا القول منهم يوم القيامة وهو كذب صريح ولا يجوز وقوعه يومئذ.
وأجيب بأن المراد ما كنا عاملين السوء في اعتقادنا أي كان اعتقادنا أن عملنا غير سيء ، وهذا نظير ما قيل في تأويل قولهم {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] وقد تعقب بأنه لا يلائمه الرد عليهم {حَكِيمٌ إِنَّ الله} إلى آخره لظهور أنه لإبطال النفي ولا يقال: الرد على من جحد واستيقنت نفسه لأنه يكون كذباً أيضاً فلا يفيد التأويل.
ومن الناس من قال بجواز وقوع الكذب يوم القيامة ، وعليه فلا أشكال ، ولا يخفى أن هذا البحث جار على تقدير كون العطف على {قَالَ الذين} [النحل: 27] أيضاً إذ يقتضي كالأول وقوع القول يوم القيامة وهو مدار البحث.