قال ابن جرير: المخر في اللغة: صوت هبوب الريح ، ولم يقيد بكونه في ماء {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} معطوف على {تستخرجوا} ، وما بينهما اعتراض ، أو على علة محذوفة تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا ، أو على تقدير فعل ذلك لتبتغوا أي: لتتجروا فيه ، فيحصل لكم الربح من فضل الله سبحانه: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: إذا وجدتم فضله عليكم وإحسانه إليكم ، اعترفتم بنعمته عليكم فشكرتم ذلك باللسان والأركان.
قيل: ولعلّ وجه تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر من حيث أن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلة من غير مزاولة أسباب السفر ، بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالك ، ويمكن أن يضم إلى ما ذكر من قطع المسافة على الصفة المذكورة ما اشتمل عليه البحر من كون فيه أطيب مأكول وأنفس ملبوس وكثرة النعم مع نفاستها وحسن موقعها من أعظم الأسباب المستدعية للشكر الموجبة له.
ثم أردف هذه النعم الموجبة للتوحيد ، المفيدة للاستدلال على المطلوب بنعمة أخرى وآية كبرى ، فقال: {وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ} أي: جبالاً ثابتة ، يقال: رسا يرسو: إذا ثبت وأقام ، قال الشاعر:
فصبرت عارفة لذلك حرة... ترسو إذا نفس الجبان تطلع
{أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي: كراهة أن تميد بكم على ما قاله البصريون ، أو لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون ، والميد: الاضطراب يميناً وشمالاً ، ماد الشيء يميد ميداً تحرّك ، ومادت الأغصان تمايلت ، وماد الرجل تبختر {وأنهارا} أي: وجعل فيها أنهاراً ، لأن الإلقاء ، ها هنا بمعنى الجعل والخلق كقوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مّنّى} [طه: 39] .
{وَسُبُلاً} أي: وجعل فيها سبلاً وأظهرها وبينها لأجل تهتدون بها في أسفاركم إلى مقاصدكم.