الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَخَلَقَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لَكُمْ أَيْضًا {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}
يَقُولُ: وَجَعَلَهَا لَكُمْ زِينَةً تَتَزَيَّنُونَ بِهَا مَعَ الْمَنَافِعِ الَّتِي فِيهَا لَكُمْ، لِلرُّكُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَنَصَبَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ عَطَفًا عَلَى الْهَاءِ وَالْأَلِفِ فِي قَوْلِهِ: {خَلَقَهَا} وَنَصَبَ الزِّينَةَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عَلَى مَا بَيَّنْتُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَاوٌ وَكَانَ الْكَلَامُ: «لِتَرْكَبُوهَا زِينَةً» كَانَتْ مَنْصُوبَةً بِالْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهَا الَّذِي هِيَ بِهِ مُتَّصِلَةٌ، وَلَكِنْ دُخُولِ الْوَاوِ آذَنَتْ بِأَنَّ مَعَهَا ضَمِيرَ فِعْلٍ وَبِانْقِطَاعِهَا عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهَا.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةً عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ"سُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ، فَقَالَ: اقْرَأِ الَّتِي قَبْلَهَا: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ."
{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} فَجَعَلَ هَذِهِ لِلْأَكْلِ، وَهَذِهِ لِلرُّكُوبِ""
عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ:"لُحُومُ الْخَيْلِ حَرَامٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ} إِلَى قَوْلِهِ: {لِتَرْكَبُوهَا} "
وَكَانَ جَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى تَحْرِيمِ شَيْءٍ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا عَرَّفَ عِبَادَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَسَائِرِ مَا فِي أَوَائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ، وَنَبَّهَهُمْ بِهِ عَلَى حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَدِلَّتِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَخَطَأِ فِعْلِ مَنْ يُشْرِكُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ.