يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْ حُجَجِهِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَا خَلَقَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ، فَسَخَّرَهَا لَكُمْ، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا مَلَابِسَ تَدْفَئُونَ بِهَا، وَمَنَافِعَ مِنْ أَلْبَانِهَا، وَظُهُورِهَا تَرْكَبُونَهَا {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}
يَقُولُ: وَمِنَ الْأَنْعَامِ مَا تَأْكُلُونَ لَحْمَهُ كَالْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَسَائِرِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَحُذِفَتْ «مَا» مِنَ الْكَلَامِ لِدَلَالَةِ مِنْ عَلَيْهَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"يَعْنِي بِالدِّفْءِ: الثِّيَابَ، وَالْمَنَافِعَ: مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَكُمْ فِي هَذِهِ الْأَنْعَامِ وَالْمَوَاشِي الَّتِي خَلَقَهَا لَكُمْ {جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ}
يَعْنِي: تَرُدُّونَهَا بِالْعَشِيِّ مِنْ مَسَارِحِهَا إِلَى مَرَاحِهَا وَمَنَازِلِهَا الَّتِي تَأْوِي إِلَيْهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمَكَانُ الْمَرَاحُ، لِأَنَّهَا تُرَاحُ إِلَيْهِ عَشِيًّا فَتَأْوِي إِلَيْهِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَرَاحَ فُلَانٌ مَاشِيَتَهُ فَهُوَ يَرِيحُهَا إِرَاحَةً.
وَقَوْلُهُ: {وَحِينَ تَسْرَحُونَ}
يَقُولُ: وَفِي وَقْتِ إِخْرَاجِكُمُوهَا غُدْوَةً مِنْ مَرَاحِهَا إِلَى مَسَارِحِهَا، يُقَالُ مِنْهُ: سَرَّحَ فُلَانٌ مَاشِيَتَهُ يُسَرِّحُهَا تَسْرِيحًا، إِذَا أَخْرَجَهَا لِلرَّعْيِ غُدْوَةً، وَسَرَحَتِ الْمَاشِيَةُ: إِذَا خَرَجَتْ لِلْمَرْعَى تَسْرَحُ سَرْحًا وَسُرُوحًا، فَالسَّرْحُ بِالْغَدَاةِ وَالْإِرَاحَةُ بِالْعَشِيِّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
كَأَنَّ بَقَايَا الْأُتْنِ فَوْقَ مُتُونِهِ ... مَدَبُّ الدَّبَى فَوْقَ النَّقَا وَهُوَ سَارِحُ
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} «وَذَلِكَ أَعْجَبُ مَا يَكُونُ، إِذَا رَاحَتْ عِظَامًا ضُرُوعُهَا، طُوَالًا أَسْنِمَتُهَا، وَحِينَ تَسْرَحُونَ إِذَا سَرَحَتْ لِرَعْيِهَا»
وَقَوْلُهُ: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ}