ومَنْ يفتش في أساليب القرآن من المستشرقين قد يقول:"إن عَجُزَ الآية غَيْر متفق مع صَدْرها".
ونقول لمثل صاحب هذا القول: أنت لم تفطن إلى المِنّة التي يمتنُّ بها الله على خَلْقه ، فهم لم يكونوا بالغين لهذا البلد دون أثقالَ إلا بمشقَّة ؛ فما بالنا بثِقَل المشقة حين تكون معهم أثقال من بضائع ومتاع؟
إنها نعمة كبيرة أنْ يجدوا ما يحملون عليه أثقالهم وأنفسهم ليصلوا إلي حيث يريدون .
وكلمة {بِشِقِّ} [النحل] مصدرها شَق وهو الصِّدْع بين شيئين ؛ ويعني عَزْل متصلين ؛ وسبحانه هو القائل: {فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] . وهناك"شَق"وهو الجهد ، و"شقَّة". والإنسان كما نعلم هو بين ثلاث حالات: إمَّا نائم ؛ لذلك لا يحتاج إلى طاقة كبيرة تحفظ له حياته ؛ وأيضاً وهو مُتيقِّظ فأجهزته لا تحتاج إلى طاقة كبيرة ؛ بل تحتاج إلى طاقة مُتوسِّطة لتعملَ ؛ أما إنْ كان يحمل أشياءَ ثقيلة فالإنسان يحتاج إلى طاقة أكبر لتعمل أجهزته .
وكذلك نجد الحق سبحانه يقول: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة} [التوبة: 42] .
والمعنيّ هنا بالشُّقة هي المسافة التي يشقُّ قطعُها ، ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
{إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 7] .
والصفتان هنا هما الرأفة والرحمة ، وكل منهما مناسب لِمَا جاء بالآية ؛ فالربُّ هو المُتولِّي التربية والمَدَد ، وأيُّ رحلة لها مَقْصِد ، وأيُّ رحلة هي للاستثمار ، أو الاعتبار ، أو للاثنين معاً .
فإذا كانت رحلةَ استثمار فدابّتُك يجب أن تكون قويةً لتحمل ما معك من أثقال ، وتحمل عليها ما سوف تعود به من بضائع .
وإنْ كانت الرحلةُ للاعتبار فأنت تزيل بهذا السفر ألم عدم المعرفة والرغبة في الوصول إلى المكان الذي قصدته .