البحث الأول: قال الواحدي: الخصيم بمعنى المخاصم ، قال أهل اللغة: خصيمك الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب ، والعشير بمعنى المعاشر ، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلاً من خصم يخصم بمعنى اختصم ، ومنه قراءة حمزة:
{تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ} [يس: 49] .
البحث الثاني: لقوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} وجهان: أحدهما: فإذا هو منطبق مجادل عن نفسه ، منازع للخصوم بعد أن كان نطفة قذرة ، وجماداً لا حس له ولا حركة ، والمقصود منه: أن الانتقال من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة العالية الشريفة لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم.
والثاني: فإذا هو خصيم لربه ، منكر على خالقه ، قائل: {مَن يُحييِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ} [يس: 78] والغرض منه وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل ، والتمادي في كفران النعمة ، والوجه الأول أوفق ، لأن هذه الآيات مذكورة لتقرير وجه الاستدلال على وجود الصانع الحكيم ، لا لتقرير وقاحة الناس وتماديهم في الكفر والكفران.
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
اعلم أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة.
وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، والشهوة والغضب ، ثم هذه الحيوانات قسمان: منها ما ينتفع الإنسان بها ، ومنها ما لا يكون كذلك ، والقسم الأول: أشرف من الثاني ، لأنه لما كان الإنسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوأن يكون انتفاع الإنسان به أكمل.