ويقول سبحانه من بعد ذلك: {يُنَزِّلُ الملائكة ...} .
وساعة نقرأ قوله {يُنَزِّلُ} فالكلمة تُوحِي وتُوضِّح أن هناك عُلواً يمكن أن ينزِلَ منه شيء على أسفل . والمَثلُ الذي أُحِبّ أنْ أضربه هنا لأوضحَ هذا الأمر هو قَوْل الحق سبحانه: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام: 151] .
أي: أقبلوا لتسمعوا مِنِّي التكليفَ الذي نزل لكم مِمَّنْ هو أعلى منكم ، ولا تظلُّوا في حضيض الأرض وتشريعاتها ، بل تَساموا وخُذوا الأمر مِمَّنْ لا هَوى لَه في أموركم ، وهو الحق الأعلى .
أما مَنْ ينزلون فَهُم الملائكة ، ونعلم أن الملائكة خَلْق غيبيّ آمنَّا به ؛ لأن الله سبحانه قد أخبرنا بوجودهم . وكُلَّ ما غاب عن الذِّهْن ودليله السماع مِمَّنْ تثق بصدقه ، وقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم ما نزلَ به القرآن وأنبأنا بوجود الملائكة ، وأن الحق سبحانه قد خلقهم ؛ ورغم أننا لا نراهم إلا أننا نُصدِّق ما جاء به البلاغ عن الحق من الصادق الصَّدُوق محمد صلى الله عليه وسلم .
وحين يقول الحق سبحانه:
{يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [النحل: 2] .
فنحن نعلم أنه لا يمكن أنْ ينزلَ شيءٌ من أعلى إلى الأدْنى إلا بواسطة المُقربات . وقد اختار الحق سبحانه ملكاً من الملائكة لِيُبلّغ رُسُله بالوحي من الله ، والملائكة كما أخبرنا الحق سبحانه: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26 - 27] .
ويقول في آية أخرى: {لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .
وهم من نور ، ولا تصيبهم الأغيار ، ولا شهوةَ لهم فلا يتناكحون ولا يتناسلون ؛ وهم أقربُ إلى الصَّفَاء . وهم مَنْ يُمكِنهم التلقِّي من الأعلى ويبلغون الأَدْنى .