أما إذا كان الصبر لا لأجل الرضا بقضاء الحق سبحانه بل كان لسائر الأغراض، فذلك الصبر لا يكون جميلاً، والضابط في جميع الأفعال والأقوال والاعتقادات أن كل ما كان لطلب عبودية الله تعالى كان حسناً وإلا فلا، وههنا يظهر صدق ما روي في الأثر"استفت قلبك، ولو أفتاك المفتون"فليتأمل الرجل تأملاً شافياً، أن الذي أتى به هل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا؟ فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع ألبتة.
ولما ذكر يعقوب قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} قال: {والله المستعان على مَا تَصِفُونَ} والمعنى: أن إقدامه على الصبر لا يمكن إلا بمعونة الله تعالى، لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع وهي قوية والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا، فكأنه وقعت المحاربة بين الصنفين، فما لم تحصر إعانة الله تعالى لم تحصل الغلبة، فقوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} يجري مجرى قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] وقوله: {والله المستعان على مَا تَصِفُونَ} يجري مجرى قوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] . انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 18 صـ 81 - 84}