يبيّن لنا أن الحُسْن أتى لها من أن الكتب السابقة تحدثت عن قصة يوسف ، لكن أحبار اليهود حين قرأوا القصة كما جاءتْ بالقرآن ترك بعضهم كتابه ، واعتمد على القرآن في روايتها ، فالقصة أحداثها واحدة ، إلا صياغة الأداء ؛ وتلمُّسات المواجيد النفسية ؛ وإبراز المواقف المطْويَّة في النفس البشرية ؛ وتحقيق الرُّؤى الغيبية كُلُّ ذلك جاء في حَبْكة ذات أداء بياني مُعْجز جعلها أحسنَ القَصَص .
أو: هي أحسن القصص بما اشتملتْ عليه من عِبَر متعددة ، عِبَر في الطفولة في مواجهة الشيخوخة ، والحقد الحاسد بين الأخوة ، والتمرد ، وإلقائه في الجبِّ والكيد له ، ووضعه سجيناً بظلم ، وموقف يوسف عليه السلام من الافتراء الكاذب ، والاعتزاز بالحق حتى تمَّ له النصر والتمكين .
وكيف ألقى الله على يوسف عليه السلام محبَّة منه ؛ ليجعل كل مَنْ يلتقي به يحب خدمته .
وكيف صانَ يوسف إرثَ النبوة ، بما فيها من سماحة وقدرة على العفو عند المقدرة ؛ فعفَا عن إخوته بما روتْه السورة: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين} [يوسف: 92] .
وقالها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم لأهله يوم فتح مكة:"اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وهكذا تمتليء سورة يوسف بِعِبَر متناهية ، يتجلَّى بعضٌ منها في قضية دخوله السجنَ مظلوماً ، ثم يأتيه العفو والحكم ؛ لذلك فهي أحسنُ القَصص ؛ إما لأنها جمعتْ حادثة ومَنْ دار حولها من أشخاص ، أو جاء بالشخص وما دار حوله من أحداث .
أو: أنها أحسنُ القصص في أنها أدّتْ المُتَّحد والمتفق عليه في كل الكتب السابقة ، وجاء على لسان محمد الأمي ، الذي لا خبرة له بتلك الكتب ؛ لكن جاء عَرْضُ الموضوع بأسلوب جذَّاب مُسْتمِيل مُقْنع مُمْتع .