وهكذا نعلم أن القص هو تتبُّع ما حدث بالفعل ، فتكون كل كلمة مُصوِّرة لواقع ، لا لَبْسَ فيه أو خيال ؛ ولا تزيُّد ، وليس كما يحدث في القصص الفنيِّ الحديث ؛ حيث يضيف القصَّاص لقطاتِ خيالية من أجل الحَبْكة الفنية والإثارة وجَذْب الانتباه .
أما قصص القرآن فوضْعُه مختلف تماماً ، فكلُّ قَصص القرآن إنما يتتبع ما حدث فعلاً ؛ لنأخذ منها العبرة ؛ لأن القصة نوع من التاريخ .
والقصة في القرآن مرةً تكون للحدث ، ومرَّة تكون لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلم تَأْتِ قصة رسول في القرآن كاملة ، إلا قصة يوسف عليه السلام .
أما بقية الرسل فقَصَصهم جاءت لقطات في مناسبات لتثبيت فؤاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، فتأتي لقطة من حياة رسول ، ولقطة من حياة رسول آخر ، وهكذا .
ولا يقولن أحد: إن القرآن لم يستطع أن يأتي بقصة كاملة مستوفية ؛ فقد شاء الحق سبحانه أن يأتي بقصة يوسف من أولها إلى آخرها ، مُسْتوفية ، ففيها الحدث الذي دارتْ حوله أشخاصٌ ، وفيها شخصٌ دارتْ حوله الأحداث .
فقصة يوسف عليه السلام في القرآن لا تتميز بالحَبْكة فقط ؛ بل جمعتْ نَوعَيْ القصة ، بالحدث الذي تدور حوله الشخصيات ، وبالشخص الذي تدور حوله الأحداث .
جاءتْ قصة يوسف بيوسف ، وما مَرَّ عليه من أحداث ؛ بَدْءً من الرُّؤيا ، ومروراً بحقد الأخوة وكيدهم ، ثم محاولة الغواية له من امرأة العزيز ، ثم السجن ، ثم القدرة على تأويل الأحلام ، ثم تولَّي السلطة ، ولقاء الأخوة والإحسان إليهم ، وأخيراً لقاء الأب من جديد .
إذن: فقول الحق سبحانه:
{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص ...} [يوسف: 3] .