وربما قيل في قوله تعالى (إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) كيف يجوز ذلك منهم وهم أنبياء أو مرشحون للنبوة. وجوابنا ان محل الولد من أبيه أن ينزله منزلة سائر أولاده فلا يقبح قولهم ان أبانا لفي ضلال مبين إذ مرادهم ذهابه عن إنزالهم هذه المنزلة أيضا وبعد فلو قبح لكان ذلك قبل حال التكليف على ما يدل عليه قوله تعالى (أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ) لأن هذا القول لا يليق الا بحال الصبي وفقد كمال العقل وقولهم (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ) انما صح أيضا لأن الحال حال الصبا وفقد كمال العقل فكذلك سائر ما فعلوه بيوسف لما أرسله يعقوب معهم (فان قيل) كيف كانت الحال حال الصبا وقد قال تعالى بعده (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) . وجوابنا انه يحتمل أن يكون بمنزلة قوله تعالى (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)
ويكون بطريقة الالهام أو اظهار أمارة ويحتمل في هذا الايحاء أن يكون إلى يعقوب لتقدم ذكر يعقوب.
[مسألة]
وربما قيل ما معنى قوله تعالى (فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) وما معنى (وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) فكيف يصح منهم الكذب ووصف الدم بالكذب. وجوابنا انه يحتمل في قولهم أكله الذئب انهم قالوه تعريضا لا خبرا على التحقيق ويحتمل أن يكونوا قد كذبوا لكنه وقع منهم في حال الصبا فاما قوله (بِدَمٍ كَذِبٍ) فمن أحسن ما يوجد في مجاز الكلام فانهم صوروه بخلاف صورته فصار كالكذب ويحتمل أن يكون المراد بدم واقع من كاذب على معنى قوله (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً) أي أهلها وسكانها وقوله تعالى (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) يدل على ما قلناه من انه كان ذلك في حال الصبا.
[مسألة]