وَاصْبِرْ ختم هذه الأوامر والنواهي بالصبر لأنه لا يتم شيء من هذه الأوامر والنواهي إلا بالصبر، فلا الاستقامة، ولا الوقوف عند الحدود، ولا عدم الركون للظالمين، ولا إقامة الصلوات تكون إلا بالصبر. والمعنى: اصبر على امتثال ما أمرت به والانتهاء عما نهيت عنه، ثم بشر المطيعين والصابرين وسماهم محسنين فقال: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ بل يثيبهم ويزيدهم، وفي هذا إشارة إلى أن المحسنين هم من اجتمع لهم تنفيذ هذه الأوامر والنواهي.
وبعد هذه المجموعة من الأوامر والنواهي:
يأتي الآن حض وتوجيه نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان حكمة الاختلاف وغير ذلك مما سنرى.
فَلَوْلا أي فهلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ أي أولو فضل، يقال: فلان من بقية القوم أي من خيارهم، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ بالنهي عن الكفر والمعاصي إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ أي ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون للنهي، والنجاة للناهين وحدهم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي الكافرون والساكتون ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي شهواتهم، والمعنى: اتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه، من حب الرئاسة والثروة، وطلب أسباب العيش الهنئ، ورفضوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونبذوه وراء ظهورهم وَكانُوا مُجْرِمِينَ هذا هو وصفهم الذي يستحقونه الإجرام، وهكذا عجب الله - عزّ وجل - ألا يوجد في القرون الماضية، بقايا من أهل الخير، ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات، والفساد في الأرض إلا قليلا، هم الذين أنجاهم الله - عزّ وجل - عند حلول غضبه، وفجأة نقمته،